أبي منصور الماتريدي
517
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم « 1 » عذابه . وفي قوله : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ . أي : تتضرعون ، موعظة للمؤمنين أيضا ؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء ، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم ؛ فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك ، يقول والله أعلم ؛ أي : تعلمون أن ما بكم من نعمة فمن الله ؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال ؟ ! . وقوله - عزّ وجل - : وَيَجْعَلُونَ أي : يقولون لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ . [ قال بعضهم « 2 » : يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيبا مما رزقناهم ] « 3 » من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم . ولا يعلمون لهم نصيبا في ذلك ؛ وهو كقوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [ الأنعام : 136 ] حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم وجعلوه لآلهتهم . ويحتمل قوله : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً وهو الشيطان ؛ أي : ما يجعلون للأوثان ، فذلك للشيطان في الحقيقة ، لأنه هو الذي أمرهم بذلك ، وهو الذي دعاهم إلى ذلك ، وهو كقوله : يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ [ مريم : 44 ] ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن « 4 » قد عبدوا الشيطان ؛ لأنه هو أمرهم بذلك ، وهو دعاهم إلى ذلك ، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان لما ذكرنا ، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب . ويحتمل قوله : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً أي : يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك ، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك ، وهو كقوله : قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [ يونس : 18 ] أي : أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه ، أي : يعلم غير الذي تنبئون ، وقد ذكرنا قوله : يَجْعَلُونَ على القول ، أي : يقولون : وإلا لا يملكون جعل ذلك . وقوله - عزّ وجل - : تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ .
--> ( 1 ) في ب : به . ( 2 ) قاله مجاهد وقتادة ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 21658 ) و ( 21659 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 226 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : كان .